الثقافيالمحليحدث اليوم

66 سنة تمر على قصف وتدمير قرية ثيغزَّة إفرَّاج

أول قرية شهيدة بوسط غابات ايث املول ببلدية لمصارة ولاية خنشلة

في جبال الاوراس التي لا تنتهي أساطير وحكايات للثورة التحريرية بها وعلى بعد أكثر من 90 كلم في قلب غابة بني املول ببلدية لمصارة غرب ولاية خنشلة، وفي موقع استراتيجي تقع قلعة من قلاع الثورة القرية الشهيدة “ثيغزة افراج” التي لا تزال لحد اليوم آثار جرائم الاحتلال الفرنسي شاهدة على بشاعة الجريمة التي ارتكبت بعد 12 يوما من اندلاع الثورة ليلة الـ 12 من نوفمبر 1954، حيث دمرت القرية التي تحتوي على 800 بيت على بكرة أبيها لتحمل “ثيغزة افراج” لقب أول قرية شهيدة في تاريخ ثورتنا المجيدة.

ثيغزَّة إفرَّاج، القرية التي لا تشبهها قريةٌ أخرى، لا من حيثُ فكرة بنائها ولا في وظيفتها ولا في تاريخها، ثيغزَّة إفرَّاج، ومعناه بالأمازيغية الشاوية “الأماكن الخصبة لذكر الحجل”، ومن هنا يبدأ استثناء القرية من إسمها، فهي اليوم عبارة عن أطلالٍ لبنايات حجرية فوق صخرة كبيرة تتوسط غابة بني ملول الشهيرة التي تعد أكبر غابة للصنوبر الحلبي في شمال إفريقيا وهذا جنوب بلدية لمصارة وغرب عاصمة الولاية خنشلة الجزائرية بقلب الأوراس ببعد مقدر بـ 95 كلم، وفي أسفل الصخرة التي بنيت عليها القرية، يتدفق وادي أم الماء والمكان كله وسط أشجار الغابة وأحراشها ما جعله غاية في السحر وفي الجمال .

لقرية ثيغزَّة إفرَّاج قصة مثيرةُ وخالدة في آن واحد  فبداية الأسطورة كانت قبل قيام الثورة الجزائرية بعشرات السنوات حين كان سكان منطقة لمصارة وضواحيها يقومون كل سنة بما يعرفُ عندهم برحلة الشتاء والصيفِ، فعند قدوم كل الشتاء يشدون الرحال جنوبا إلى منطقة (الولجة) شبه الصحراوية والمعروفة بتسميتها الأمازيغية الشاوية (أمسونت) ومعناها الجنة، وهي المنطقة التي يمتلك فيها هؤلاء السكان الأراضي وواحات النخيل، ولاعتبار المنطقة ينعمون فيها بالدفء والكلأ لماشيتهم، وبمجرد اشتداد الحرارة واقتراب فصل الصيف يعاودون الرحلة من جديد صوب أعالي منطقة لمصارة طلبا للبرودة ولجني محاصيل القمح والشعير هناك .

متاعب رحلة الشتاء والصيف لسكان بني ملول وما كان يرافقها من معاناة التنقل، دفعتهم لأن يهتدوا إلى فكرة بناء قرية تتوسط طريق الرحلة التي تبلغ مسافتها أزيد من 55 كلم وهذا لغرض حفظ المؤونة مما كانوا يجنونه من موسمي الشمال والجنوب، من تمر وقمح وشعير وعسل وزيت زيتون، وهكذا كانت قرية ثيغزَّة إفرَّاج ميلادا جديدا بالنسبة لهؤلاء السكان ، لتصبح قريةً لحفظ المؤن يلجأ إليها الأهالي لأخذ حاجتهم سواء كانوا في الولجة جنوبا أو في منطقة لمصارة شمالا، وكان يقوم على حراسة القرية المكونة من 800 غرفة مبنية بالحجر والطين شخصٌ يعين بالتراضي بين أصحاب المؤن ويتقاضى أجرته بقسط محدد منها.

ثيغزَّة إفرَّاج كانت نتاجا لعبقرية سكان بني ملول أو آيث ملول وتحايلهم على وعورة الطبيعة وتسخيرها لصالحهم، وكانت أيضا وليدة حاجتهم إلى ما يمكن أن يخفف عنهم معاناة التنقل وسط غابات لمصارة وتضاريسها الصعبة، واستمرت رحلة السكان مع قريتهم لعهود طويلة من الزمن إلى غاية اندلاع شرارة الثورة التحريرية المباركة في الفاتح من نوفمبر العام 1954 .

خبث المستعمر الفرنسي الذي كان يعلم بحيثيات هذه القرية وقيمتها بالنسبة لأهالي بني ملول بالنظر إلى ما كانت تحويه من مؤن كثيرة جعلته يدرك أن قرية ثيغزَّة إفرّاج ستشكل مصدرا خصبا لتموين جموع المجاهدين الذين يتخذون من الغابة ملجأ لهم، وأنها ستوفر لهم حماية غذائية لأوقات طويلة ، ولأجل ذلك سارع في يوم الجمعة 12 نوفمبر العام 1954 أي بعد أيام قلائل من اندلاع الثورة إلى قصف قرية ثيغزَّة إفرَّاج بعديد الطائرات الحربية التي أتت على القرية بكاملها ولم تخلف بها غير الدمار والحطام حتى اختلطت المؤن  من تمر وعسل ودهان مع مجرى الوادي اسفل الصخرة التي بنيت فوقها القرية، ما تبقى من أطلال القرية لا يزال يحكي همجية الاستعمار ويسجل للتاريخ أن ثيغزَّة إفرَّاج هي أول الأمكنة التي تقصف بالطائرات الحربية إبان الثورة التحريرية المباركة.

سكان لمصارة بني ملول ما زالوا إلى يومنا هذا مرتبطين ارتباطا روحيا وتاريخيا بقرية ثيغزَّة إفرًّاج التي تعتبر عندهم واحدة من الرموز الثابتة المشكلة للخلفية التاريخية للثورة التحريرية لمنطقتهم، التي كانت تعد مركز قيادة الولاية الاولى التاريخية في انتظار التفاتة من وزارة المجاهدين والسلطات المحلية لرد الاعتبار للقرية وانقاذها من الاندثار.

ر. ش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق