الثقافيحدث اليوم

الشاعرة الجزائرية، رشيدة محمدي، لـ”الفجر”: “على الشّعر أن يكون شعرا أو أن يبحث عن قبره … “

تحتفي “أمازون” العملاقة بديوان الشاعرة الجزائرية، رشيدة محمدي، الموسوم بـ”رضاب بلّوري” الأكثر مبيعاً على مدى عامين على الأقل.

واقتربت مبيعات الديوان من مليون نسخة من مجموع مبيعات أمازون البالغة 33 مليون نسخة سنويا، وهو رقم قياسي لم يحققه أي شاعر أو روائي عربي من قبل، فضلا عن كونها أيقونة جزائرية وعربية وحيدة مع 99 آخر ضمن شعراء أنطولوجيا الشعر العالمي، كما اختيرت قصائدها كأفضل مئة قصيدة على مستوى العالم.

رشيدة محمدي فتحت قلبها الكبير لـ”الفجر” وكان لها معها هذا الحوار:

حاورتها: مريم.م

+ “الفجر”: قبل خمس سنوات، كنت اول اسم شعري عربي يدخل أنطولوجيا الشعر العالمي، وحاليا يتربع ديوانك “رُضاب بِلَّوري” المكتوب باللغة الإسبانية على أعلى المبيعات في “آمازون” العملاقة، ما الذي تخبريننا به عن “القصيدة” و”الرُضاب”؟

ـ رشيدة محمدي: الكثير من القصائد تتوهم أنّها شِعر مثلما تتوهم المرأة أنها أنثى، من حيث كينونتها الرقيقة الدافئة، أو كما يتوهم الذكر أنّه رجل من حيث وازع الشهامة والنخوة أو كما يتوهم المنزل أنّه بيت أو يتوهم المولود برقعة جغرافية معينه أنّه وطنيّ أكثر من غيره، يمكن تماما للقصيدة أن تكون فارغة من نواة الشِعر مُفرغة من حيثيات الحس الجمالي ونحيلة الهسيس، واهنة الرجع باردة الصدى، وقد يصل الأمر ببعض القصائد إلى حالة فقر في دمها إنسانيا.

الشِعر إذن هو التفاتة كل القضايا الإنسانية وأوّلها الحرية والحب، الاقتصاد، السياحة، التاريخ، الصحة، الغدر، السقوط الحر للثقة فيما بين الناس إلى صدر اللّغة الرؤوم علّ ما فيها من مواجيد وصوتيات أو ما فيها من صمت، صراخ، أنين وما فيها من موسيقى داخلية لا أرتام مصطنعة وطنين قوافي.

لقد أثبتت التكنولوجيا الحديثة أنّ طنين القوافي في الشِعر المعاصر هو تابوت موت بارد وموت لبخور الكلام على مذبحة صقيع الإدِعاء والرداءة عندما لا يكون الشاعر حقيقيا. أ

مّا الرُضاب فهو قصة أي إنغماس في أيّة لغة بأثر رجعي لصِرف المشاعر وإكسير الإلهام لتبييض وجه اللّحظة والهروب بها إلى مُروج النّص الذي يحيل كل حواس اللّغة إلى جُرعات من هرمونات تتصاعد بلا ترتيب مواعيد مع وكر السموات البعيدة دون إهمال خشاش الأراضين.

+ رغم تتويجك بأرقى جوائز الشعر العالمية، مازلت تقولين عن نفسك إنك لم تصبحي شاعرة بعد.. فما الذي يجب أن يتوفر في المبدع حتى يستحق لقب شاعر؟

ـ ليس المسألة مسألة تَوفُرٍ أو عدمه. تحتاج الدنيا إلى شاعر يعتز بأنّه قارئ وبلغات مختلفة أخرى أكثر من حاجتها لقوله أنا شاعر، شاعر يكتب كي تستقر الكلمات على أفنان شجر الأسئلة البسيطة المُهابة، شاعر يرشُّ عتبة بابه بالبسمات وإن لم تدخل الحياة عليه بقفة طعامه ليومي، شاعر يرى في الحروف قبل الكلمات الحدائق الغيرة على الجمال بتغريدات شافية، شاعر ينحت اسم حبيبته على أظافره عندما تَجلِده الحياة في سجن الاستبداد، شاعر لا يخاف من إمساك يد حبيبته في الشارع، شاعر لا يفرض على حبيبته موديل ملابسها لأنّه يخاف من لعنة المجتمع، شاعر لا يستعرض قنينة نبيذه في الفايسبوك للتدليل على أنّه حر، وفي الحقيقة هو يستعرض بؤسه المشفق عليه، شاعر أو روائي لا يكتُب نيابة عن زوجته كي يكتمل ما يمارسانه على السرير ويمتد إلى دفاتر الغش والخداع.

الدنيا أُذُنٌ صافية لن تقرأ لشاعر يكتب بمِنَّةٍ عن الناس… بكل بساطة أنت شاعر لأنّك تولَدَ شاعرا وإلاّ فلا، وبعدها يلتحق التكوين المعمّق لذاتك في فُرنِ هذا العالم.

وُلد بوذا في عائلة تأكل بملاعق الذهب، هرب بوذا متخفيا بحصان عادي من قصر والديه لأنّه أراد أن يُنصت إلى ذاته العميقة في صحراء جرداء لأن اليقين يركب المغامرة لا يكتبُ عنها. يوميا هنا أتقاسم حياتي مع شعراء لا يكتبون شعرا وقد ألتفتُ يسارا في حال صادفتُ شاعرا عربيا على يميني وفي رصيده عشرون ديوانا ونكبة في أحد شوارع البلاد العربية.

+ مع أن الرواية والسينما في الجزائر قد طرقت باب العالمية قليلا أو كثيرا، فمازال الشعر الجزائري يراوح مكانه، لولا أن اختير اسمك مؤخرا ضمن أسماء عالمية..ما الذي يحتاج إليه فعلا الشاعر الجزائري ليصل شعره الى الآخر؟

ـ لنكن واقعيين قليلا! إن وصول أي عمل فني جزائري إلى باريس وضواحيها لا يعني أنّه بلغ العالمية فهل يُعقل أن تبقى عالمية الإبداع في المفهوم الجزائري تعني في كل ما تعنيه وصولها إلى مونت برناس!!! فباريس نفسها تعاني تراجعا خطيرا في سُلّم نهضتها الثقافية التي لم يَعرف الفرنسيون كيف يحافظون على صعودها الأنيق في بداية القرن العشرين لسبب واحد وهو دوغمائية وطبيعة الكائن الفرنسي الذي حوّل قاموسه اللّغوي جاعلا من اللغة الفرنسية مَحمية ألسُنية مسيّجة بشوك التعالي المسنود بعُقدة تفوّقِ ونرجسية فرنساوية حوّلت اللغة الفرنسية إلى إناء جاف مهجور لا تستعمله الأمم الأخرى إلاّ في بعض المجاملات الديبلوماسية المُحرجة أو عند بعض الدراسات الأنثروبوجية الموضوعية، كما أنّ الترجمة القصرية لبعض الروايات أو القصائد –حتى لا أقول الأشعَار- الجزائرية لاستعراضها في مناسبات هي في الأصل نشاطات سياسية لا يُمكن أن تُمكّنها من قارئ حقيقي، مناسبات كمعرض الكتاب الجزائري في باريس والجزائر عاصمة الثقافة العربية وحبوب هلوسة طباعة الكتب وترجمتها، كلها مزادات علنية لباركنسون مجاني.

+ ما الفرق الذي ترينه بين واقع المناخ الثقافي في الجزائر ونظيره في المهجر؟ قلت في أحد حواراتك السابقة إنه “لا حياة للعربية ما لم تلبس ملابسها العصرية على أيادٍ متخصصة وواعية بهرمون اللّغة ضمن توازنات مستيقظة في الهوية”، ماذا تقصدين بالملابس العصرية للغة العربية؟ وكذلك التوازنات المستيقظة في الهوية؟

ـ الفرق شاسع وبيِّن، في الولايات المتحدة مثلا الأشخاص بمفردهم بمبادراتهم هُم من يسيرون بالثقافة إلى فوانيس طرقات الحياة. المجتمع المدني إذن هو من يرعى حرية التفاعلات التي تجعل من الفن سيد الأَبعاد العميقة واليومية في المجتمعات. هل تصدقين أن بلدا كالولايات المتحدة ليس في أبجدياته الحكومية حقيبة وزير ثقافة!!! إذن الثقافة قضية إيمان تشتغل على قناعة الأفراد لا الإعتماد على بَزِارِ الحكومات.

أمّا هنا في أوروبا عموما فأحس بفرق طفيف هناك جانب من الدايناميزم الثقافي يعتمد على مساندة الدولة لكن يبقى تكفّل الأفراد سيّد الحركات الثقافية كالامسيات الشعرية، معارض النحت، الفن التشكيلي، المسرح، المايكرومسرح والرقص وإلى ما إليه…

+ الى جانب الشعر، ترجمت أشعارك الى لغات شتى، وترجمت أنت أشعارا من العربية الى الإنجليزية ومن الإسبانية إلى الإنجليزية، ما الذي أثمر من ذلك من حيث القيم الفنية والحجم التفاعلي بين الثقافات؟ ـ لماذا صوت الشاعرة (المرأة) الجزائرية والعربية عموما لا يزال خافتا؟

ـ الكلمة التي تأخذ نورها من خصلات شَعر الشمس وتأتي بصوتها من عزم تقاسيم المجرّات حين رخاء الإلهام، تلك الكلمة وحدها من تدخل أقاليم ناطقة بلغة أنا لا أعرف عنها شيئا مثلا ولا تلك الأقاليم تعرف عني شيئا، تلك الكلمة المجندة بأجنحة غيبية، الكلمة التي تُصغي إليها مسامع القلب لا متون الحروف ولذلك أكرر وبقناعة أنني لا أكتب لمن يقرأون لي. عندما أخبرتني إدارة الفايسبوك أنّ كتاباتي المنشورة على صفحتي الرسمية قد وصلت 35 مليون متابع بين العالم عام 2019 و2020 أنا نفسي اندهشت!!

+ يقال إن الشعر نتاج نخبوي، وإن الشعر لن يستطيع لم يعد بإمكانه بعد الآن أن يجد مكانته في المجتمعات، فهل وافقين على هذا الكلام؟ وهل أنت شاعرة حداثية؟ وكيف تعللين ذلك؟

ـ لن تَبْتَّل عروق الشِّعر إلاّ بزيت الحب ولا يُمكن أن يكون الحب نخبويا لأنه مَرِن التسلُّل من روح روحها، من جسد إلى جسدٍ آخر مُمَلِّسا صلصال القٌبلَة كأعظم دليل يستحيل معه فصْلُ الشِّعر عن الحبّ ..الشِّعر موسيقى الصوت المبرِرة بذاتِ بنيتها تَعاقُدها الماورائي مع وصلة الصمت السِّيادية في نغمة السكينة أو على مساحة البياض المُنتشرة على إزار الورق الذي نَكتب عليه أشعارنا فبالصمت فقط يَعثر الشَّعر عن حياديته بقاسمه مشترك مع الموسيقى .

ـ كيف لا يستطيع الشَعر أن يجد مكانه في المجتمعات وأنت تٌجرين حوارا معي الآن بسبب تحقيق ديواني أعلى المبيعات بأكثر من 700000 نسخة في آمازون العملاقة! بل ودخل ديواني مقياس “برايم” أي يباع كما تباع الأدوية ومواد التجميل –أرسل لك الصوّر- إذن الشعر الحقيقي لم ولن يَنفُذ أبدا بل تسلل بذكاء إلى تفعيل نفسه داخل لغة عصرنا الإشهارية المُروجة للمنتوجات الصناعية دون استثناء لقد انتبه الشِّعر إلى سطوة شِّاعريته على نواحي الحياة المعاصرة سواء كان بالصورة الشعرية أو الشِّعر بالكلمة كمفاتيح لشهية المُستهلك، فصار الشِعر ظاهرة أكثر واقعية ورونقا من تكلُّس معظم الشعراء العرب بصقَّيع عَروضهم عبر السَّمعي البصري، ومضى الشِعر مزهوا لسحب البِساط من تحت أقدام البناء الفوضوي للفصاحة والأحياء القصديرية للكلمات .

إن ظاهرة طباعة ونشر دواوين من أشلاء الكلام لن يلد فرح الأرض بميلاد شجرة الشِّعر لأنَّ تُربتها الحقّة هي تمرين نجمة النُّور التي داخلنا على الاستئناس بغبار الروح.. الكلمة في سباحتها برا وبحر وفضاء وتمكُنِها من إذعاننا التلقائي لوعيد اختطافنا على أكتاف البرق باتجاه قيَم الخير والجمال عطاشى للمعرفة وبِنا بَقايا وثنية لذيذة ساكنة فينا لا ينبغي التنكّر لها لأنَّ الشَّاعر المَعْدن هو سليل كل طقوس ومُعتقدات العصور التي مرَّت بها البشرية .

إنَّ مُعاصرة الشِّعر للدِيجيتِل عقدَّت من بلوَرَة مفهوم له بوضعه على قارعة الاستغناء عنه بتوفير بدائل إلكترونية “ستيكرز وآيكِنز ” مثلا وهي كائنات مجانية مُلفتة مدغدغة للمشاعر فيها شُحنة جمالية عملية تَفي بغرض تعبير النّاس عما يختلج بصدور النّاس لذا على الشّعر إمَّا أن يكون شعرا أو ليبحث عن قبره في صقيع إورانوس.

لكن الخارق في أسطورة الشَعر أنَّ تلك البدائل مُصِرَّة على لجوئها العاطفي إلى سلطان الكلمة بنبرة إنسانها لتتحقَق الموسيقى بما فاض لصبِّ تجربة الإلهام في كأس أفواهنا العذبة، وغايتها القصوى أنْ تغدو الصدى المتعدِّد الأبعاد لصوت الإنسان.

ما لم نتعامل مع الشِّعر كما نستمع ونتعامل مع الموسيقى فنحن خارج أَجرام الشَعر الفاضلة وتأسيسا عليه أومن أن الشِّعر رهان قضيتي الأولى التي ما زِلْتُ أحلم بتأهلي للانتساب إلى مناجمها لتَسْتلمني بكامل مشمش إنسانيتي ضمن توليفة الوجود والعدم العظيمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق