السياسيحدث اليوم

الحراك.. ومفهوم العصابة

كشف مخططاتهم أودعهم السجون

لم يتوقف الحراك الشعبي في 22 فيفري 2019 عند اسقاط العهدة الخامسة وسد الطريق أمام محاولات التمديد لرئيس مريض، سجين محيط أجبره على المكوث في السلطة رغم الغياب والعجز حفاظا على مصالح عصابات المصالح التي تشكلت حول الرئيس وبمباركة وتشجيع منه تحت مسمى رجال الأعمال والمستثمرين، فانتشر الفساد على نطاق واسع في دواليب الدولة، ومس كل القطاعات والوزارات والمؤسسات، بما فيها المجالس المنتخبة، وعلى رأسها البرلمان الذي سيطر عليه المال الفاسد، ومجموعات المصالح، فانحرف عن مهمته الاساسية.

ومنذ الاسابيع الأولى للحراك، رفع المتظاهرون صور رموز الفساد، وعلى رأسهم رجل الأعمال، علي حداد، وشقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، إلى جانب صور عمار غول وأويحيى وسلال وولد عباس وربراب وغيرهم، مطالبين بمحاسبة كل من تسبب في تدمير البلاد وساهم في فرض سياسة الأمر الواقع على الجزائريين، بفرض رئيس مريض لا يتحكم في شيء.

 وسرعان ما انتشر مصطلح العصابة في شعارات المتظاهرين عبر الوطن، بعدما استعمله لأول مرة المرحوم، أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش ونائب وزير الدفاع، ويقصد به شقيق الرئيس ومحيطه إثر محاولة هذا الأخير اقالة رئيس الأركان عندما أعلن أنه سيحمي المتظاهرين في الحراك من مخطط العنف الذي كان “الشقيق” بصدد اللجوء إليه لقمع المظاهرات، فتخلى فورها عن دعمه للعهدة الخامسة.

 وشمل المصطلح كل الرئيس بوتفليقة وشقيقه ومحيطه وأعضاء الحكومة والنواب ورجال الأعمال المقربين من شقيق الرئيس ومن يؤتمرون بأوامره، ممن كانوا يستولون على كل المشاريع الاستثمارية ويستفيدون دون غيرهم من قروض البنوك، “يستثمر” جزء منها في الداخل ويحول النصيب الأكبر من خطوط القروض إلى حسابات في بنوك أجنبية، وهكذا تغير مفهوم العصابة، الذي كان يعرفه الاعلام بعصابات السرقة والسطو على البيوت، أو الترويج للمخدرات وغيرها، والتي كانت حاضرة يوميا في بيانات المديرية العامة للأمن الوطني، وهذا قبل فضيحة السبعة قناطير كوكايين التي أسقطت رجل الاعمال المدعو البوشي، وأبعدت المدير العام للأمن الوطني الرجل القوي وقتها، عبد الغني الهامل، ليرقى المصطلح إلى هرم السلطة ويصير لصيقا برموزها وبرجالها، ممن كانوا  فوق القانون ومحميين من المحاسبة، بعدما أطلق بوتفليقة وشقيقه أيديهم لنهب ثروات البلاد وتقاسمها بينهم، ليورط الجميع في فساد ممنهج وغير مسبوق، ومن ثم يساومهم على البقاء في السلطة التي طالما حلم بها منذ وفاة الرئيس هواري بومدين رحمه الله، وحرمته المؤسسة العسكرية من هذا الحلم، فانتقم شر انتقام من الجزائر ومن الجزائريين.

محاربة الفساد في قلب مطالب الحراك

مباشرة بعد ظهور المفهوم الجديد لمصطلح العصابة الذي تبناه الحراك، رغم أن من أطلقه كان خصما لجزء معتبر من متظاهري الحراك، باشرت مؤسسات  العدالة والدرك الوطني حربا على الفساد، بعد أن كانت ملفات التحقيقات في قضايا الفساد تنام في الأدراج منذ بضعة سنوات، لأن الرئيس وشقيقه منع العدالة التي وضع على رأسها أحد المقربين منه، الطيب لوح، لمنع القضاء من متابعة الوزراء الفاسدين، ومنهم وزير الطاقة والمناجم الأسبق والمقرب من الرئيس، شكيب خليل، بعدما أصدرت العدالة في صائفة 2013 أمرا دوليا بالقبض عليه هو وأبناؤه وزوجته، بتهم فساد وتلقي رشاوى من شركات أجنبية، وأظهرت التحقيقات فيما بعد تورط وزير العدل في العديد من قضايا الفساد واستغلال السلطة، وهو محكوم عليه اليوم في عدد من القضايا بتهم قاسية.

ومثلما راجت الإشاعات في صائفة 2018، أنه لن تكون هناك عهدة خامسة، وإن تمسك الرئيس وشقيقه بها وفرضوها على الشعب الجزائري، فإن الشارع سيتحرك بقوة، وأن كل رموز السلطة ورجال الأعمال المقربين من محيط الرئيس، سيكون مصيرهم قريبا السجن، بمن فيهم السعيد بوتفليقة، وكل من سلال وأويحي وعمار غول وغيرهم من الوزراء، وكذا رجال الأعمال، مثل رضا كونيناف (خنينف) الذي يقلد رئيس المخابرات والرجل القوي سابقا الجنرال توفيق بممارسته التقية بإخفاء صورته الشخصية عن الإعلام، والذي كان يردد في مجالس خمر في فرنسا أنه كثيرا ما يرى نفسه أنه هو الرئيس الفعلي للجزائر، وكذا شريك الشقيق ورئيس منتدى رجال الأعمال، علي حداد، الممول الرئيسي  لحملات بوتفليقة، والذي صار أحد الفاعلين السياسيين رغم مستواه الدراسي المحدود، حيث صار بفعل القوة التي يستمدها من دعم شقيق الرئيس له، يعين الوزراء، ويلتقي السفراء، وتمكن حتى من إبعاد الوزير الأول الأسبق ورئيس الجمهورية الحالي، عبد المجيد تبون، من منصبه، وشن هجوما إعلاميا عبر بعض القنوات والصحف الضليعة في الفساد، بل ذهب إلى حد التفاخر أمام الرئيس الفرنسي، إيمانوال ماكرون، خلال حملته الانتخابية، حيث منحه رفقة رجال أعمال آخرين صكوكا بأرقام مهولة من العملة الصعبة لتمويل حملته الانتخابية، وقال له أنه هو من يختار رؤساء الجزائر مستقبلا، وبالفعل لم يتوقف عند تمويل حملة العهدة الخامسة، بل أيضا مول محاولات ضرب المتظاهرين بدعم من أحد أميار العاصمة، حيث كلف عصابات من الشباب المدمن على المخدرات، بجمع أكياس من الحجارة وتوزيعها عبر كل الشوارع التي يمر بها الحراك، ثم الشروع في حدود الساعة الخامسة مساء برشق المتظاهرين بالحجارة، لفتح الطريق أمام أجهزة القمع(قوسوب) التي جهزها الشقيق لنشر الفوضى وإزهاق أرواح، ليتسنى له إعلان حالة طوارئ وفرض سياسة الأمر الواقع.

 لكن الجيش وقائد الاركان التزما بحماية المتظاهرين وتبنى مطالبهم، حيث أجبر الرئيس بعد دوسه على الدستور وإلغائه الانتخابات وتمديد عهدته الرئاسية سنة أخرى، على الإستقالة في 2 افريل 2019 في عز قوة الحراك، الذي ما انفك يصعد من مطالبه ومن سلميته رغم محاولات الزج به في العنف.

 وما هي إلا أسابيع من إطلاق مصطلح العصابة، حتى فوجئ الجزائريون مذهولين بسيارات خضراء تنقل يوميا شخصيات من حجم رؤساء حكومات، مثل أويحيى وسلال ووزير العدل الأسبق، الطيب لوح وعمار غول والرجل القوي السابق عبد الغني الهامل وولد عباس، وغيرهم من الأسماء التي كانت تتحكم في مصير البلاد والعباد إلى سجن الحراش، لكن الحراك لم يتوقف وواصل المسيرات كل جمعة…

حدة حزام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق